مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
189
تفسير مقتنيات الدرر
قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 111 ] إِنَّ اللَّه َ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْه ِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِه ِ مِنَ اللَّه ِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِه ِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) قال المفسّرون : لمّا بايعت الأنصار رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ليلة العقبة بمكّة وهم سبعون نفسا قال عبد اللَّه بن رواحة : اشترط لنفسك يا رسول اللَّه ولربّك ما شئت فقال صلى اللَّه عليه وآله : أشترط لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما ذا لنا ؟ قال : الجنّة . قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت الآية . قال أهل المعاني : لا يجوز أن يشتري اللَّه شيئا في الحقيقة لأنّ المشتري إنّما يشتري ما لا يملك ، وكيف يشتري أنفسا هو خلقها ، وأموالا هو أوجدها ورزقها ؟ لكنّ هذا البيان لحسن التلطَّف في الترغيب إلى الطاعة ، وبيّن سبحانه أنّ المؤمن متى قاتل في سبيل اللَّه حتّى يقتل فيذهب روحه ، وينفق مالا في سبيله أخذ من اللَّه الأجر الجنّة جزاء لما فعل فجعل هذا الأمر استبدالا وشراء . وهذا معنى * ( [ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ] ) * أي بالجنّة وهذه واللَّه بيعة رابحة وكفّة راجحة بايع اللَّه فيها كلّ مؤمن وما على الأرض مؤمن إلَّا ودخل في هذه البيعة قال الصادق عليه السّلام : ليس لأبدانكم ثمن إلَّا الجنّة فلا تبيعوها إلَّا بها وقوله : « وَأَمْوالَهُمْ » يريد الَّتي ينفقونها في سبيل اللَّه وعلى طاعة اللَّه في المثوبات . والمشتري لا بدّ له من بايع وهاهنا بحسب الواقع البايع والمشتري هو اللَّه ، وبحسب الظاهر المشتري هو اللَّه والبايع الَّذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في مرضات اللَّه بالجهاد . وأضاف سبحانه الأنفس والأموال إليهم لأنّ الإنسان عبارة عن الجوهر الأصليّ الباقي وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب ، وكذلك المال خلق وسيلة لرعاية مصالح هذا المركب فاللَّه سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال بالجنّة لأنّ ذلك الإنسان الَّذي عبّرنا عنه بالجوهر الأصليّ ما دام يبقى متعلَّق الإرادة والقلب بمصالح عالم الجسم المتغيّر المتبدّل وهو البدن والمال امتنع وصوله إلى السعادات